!*! رحلة عبرنهر النيل !*!
******************************************************
شيئ عجيب جدا بعد الفيضان الكبير لنهر النيل فى النصف الثانى من أغسطس من كل عام وبعد عدة أسابيع تجرى خلالها المياة محملة بالطمى الذى هو عبارة عن أمطار غزيرة جدا نزلت على هضبة الحبشة بالشتاء وفتتت الصخور بماتحتوية من معادن" حديد ونحاس ومغنسيوم وفضة ودهب وألمونيوم وكالسيوم وبوتاسيوم وفسفوروفوسفات ومنجنيز و كبريت وفحم وتتحول المياه إلى اللون البنى القهوائى وتسير من الحبشة من فرعى النيل الأبيض والنيل الأزرق ثم تمر بالسودان وتدخل أرض مصر من حلايب وشلاتين لأسوان و الأقصر وقنا وسوهاج وأسيوط والمنيا وبنى سويف والجيزة والقاهرة ثم القناطر الخيرية وفيها يتفرع نهر النيل إلى فرعين : فرع دمياط و"فرع رشيد" .
وتبدأ قصتى فى شهر سبتمبر عام 1960 على " فرع رشيد " الذى يمر بقريتى الأصلية وهى" البريجات "( بلد والدى وجدى وجدتى وأعمامى وعماتى ) وهم جميعا بمقبرتها رحمهم الله وهى تتبع مركز كوم حمادة محافظة البحيرة وتبعد قريتى"البريجات "عن المدينة التى ولدت فيها وترعررت" منوف" إثنتا عشرة كيلوا مترا.فقد قررت أنا وأخى"محمود"أن نقضى أجازتنا الصيفية هذا العام مع أولاد عمنا"على" وهم"محمد وطه ويسرى"(رحمهم الله فقد توفوا ثلاثتهم) وكان لابد من السفر بالسيارة من"منوف"حتى قرية "جزى"ثم منها بالمركب الشراعى خلال" فرع رشيد " إلى
قريتنا " البريجات " ويستغرق سفرنا هذا ساعة واحدة للسفر وتحتاج قرشين من كل منى ومن أخى للسفر وقد جهزنا المبلغ وركبنا السيارة لقرية " جزى " ووصلنا بعد نصف ساعة ثم نزلنا من السيارة ووجدناإزدحام شديدأمام المركب وكان الفلاحين والفلاحات يجهزون أنفسهم منهن من تحمل على رأسها"حلة"أو" قفة"أو"سبت"كبير مغطى بجلابية وبه خيرات الله من" زبدة وجبنة وفطيرمشلتت ودره مشوى وبط محمر" طبعا شميت ريحته ورجال آخرين بعضهم يمسك عصاه والآخر بيده إبنه والثالث بيدة جاموسة والرابع بيده حماره والخامس بيده جمل وسادس بيده حبل ممسكا بعدد من الماعز والخرفان ورأيت كلبا يسير بالمركب بحرية وكأنه ليس له صاحب وهكذا من كل صنف ووجدنا ريس المركب يمد لوحا من الخشب من على المركب للشاطئ ليصعد عليه الناس إلى المركب وركبنا المركب وبجوارنا كل هذه الكائنات ومنها ما تبرز أمامنا بالمركب ومنها ماتبول ولاحياة لمن تنادى كله طناش المهم إنى وأخى"محمود" بعدنا عنهم خوفا من إن يعضونا وفك ريس المركب السلسلة المربوطة بالوتد وشدها وسحب لوح الخشب من على شاطئ " فرع رشيد " إلى داخل المركب ورفع الريس الشراع ومساعده شاب يمسك الدفة ليوجه المركب يمينا ويسارا والحقيقة كنا خايفين جدا لأن النيل كان عاليا وشديد ومرتفع الأمواج ومندفع بقوة كان المركب يخترق المياة وكأنه سكين يقطع قالبا من الجبن أو الزبدة فيبتعد النصفان يمينا ويسارا وتعجبت كيف يحمل المركب كل هذه الكائنات ولايغرق لم يستطع عقلى الصغيرتفسير هذا أويستوعبها ووصلنا بعد نصف ساعة لشاطئ قريتنا "البريجات" فقفز مساعدالريس على الشاطئ ممسكا السلسلة وربطها حول الوتد الكبيرالمعد للمرسى ووضع لوح الخشب لننزل عليه للشاطئ ونزلنا بسرعة ولم ننتظر الحيوانات وطرنا نسأل على بيت عمنا "على" فدلنا عليه رجل يصنع حصيروقال لنا :
إ نتواولاد الشيخ عبد الحفيظ قولنا له:أيوة قال: إزيه داواحشنا أوى سلمولى عليه قولوله: عبد الله العلاج بيسلم عليك طبعا قولنا له : طيب وإحنا ناوين ننسى إحنا فاضيين وخبطنا على البيت ففتحت لنا بنت عمنا وقالت:"فاروج ومحمود"ياأومه جوم إنتواموش عارفينى أنا"لوزة"بت عمكواودى"شربات" وأشارت لبنت قاعدة بتزغط الوزة وقالت ودى "زوبة" وأشارت لبنت بتغسل الصحون فى طشت كبير أمامها ودى "وفاء" الحلوة البيضة دى أم شعر أصفر( رحمها الله ) قاعدة تنقى "الرز" دخلنا وسلمنا عليهم وعلى"مرات"(زوجة) عمى" سالمة" - رحمها الله - اللى فرحت جدا وكانت كريمة معنا جدا وفكاهية تحب الضحك والتريقة قالت لنا : شكلكوا جايين من ورا أبوكوا قولنالها : أيوه قالت : ولايهمكوا جدعان هوه موش عاوزكوا تيجوا عندناهوه أبوكواكده دايمازعلان مننا ليه موش عارفين قولتلها:فين" محمد وطه ويسرى "؟ قالت:فى الغيط " زوبه " دلوقتى تخلص الصحون
وتاخدكوا للغيط بس تيجوا بعد ساعتين عشان تتغدوا قعدنا جابولنا كبايتين شاى صغيرين " التلاتينة" شربناهم كانوا مليانين سكر وشاى تقيل بعد ربع ساعة جابولنا دور تانى شاى خفيف شوية شربناه وبعد ربع ساعة جابولنا كبايتين تالت مرة فقولنا لمرات عمى : كفاية شاى قالت:الدورالأخيرده بالنعناع لازم تشربوه عشان معدتكم كويس يشيل المغص اللى جابولكوا الشاى التقيل وضحكت نكته فعلا وضحكنا معاها وقامت"زوبة"ودخلت ولبست جلابية الخروج والطرحة السودة فوق راسها وقالت يالا بينا عالغيط ومشيناحوالى عشردقايق بين بيوت الفلاحين ومعظمها بالطوب "النى" يعنى من "طمى" نهر النيل " والتبن "( عيدان القمح مكسرة وجافة ) وطبعا قابلنا فى طريقنا حمير حامله "دره" وجاموسة جاررها عيل صغير وجمل شداه طفلة صغيرة وراجل فلاح راكب حمارورايح للغيط ومعاه"الزاد" بتاعه(أكله)ووصلنا للساقية تحت شجرة "الجميز" وقام "يسرى" جرى علينا وحضنا وسلم علينا وقولناله فين محمد وطه؟ قال : "محمد" جوة الدرة بيسقى الزرع "وطه" بيساعده فى فتح جنايات للخطوط قعدنا مع "يسرى" قالت "زوبة": حارجع للبيت عشان أساعد أومه فى الغدا قام يسرى وقالنا موش نفسكوا تاكلو "دره" مشوى قولنا ياريت قال بسرعة حاشويلكوا"كوزين"كفاية بس عشان تعرفوا تتغدواوبالليل نيجى ناكل نص الغيط براحتنا ضحكنا أنا ومحمود وكأننا بالجنة وفعلا جاب "عيدان درة ناشفة" وولعها وقال :كل واحد يجيب "كوزين دوره" لنفسه ينقيهم بمزاجه رحت "أنا ومحمود"وقطعت "كوزين دره"وجيت أقشرهم قالى" يسرى"إبن عمى لأه سيبهم يسخنوا الأول ولمايعرقواكويس تكون النارهديت قشرهم وإشويهم حتلاقى "الدره" إستوى كويس وتاكله وفعلا عملنا بنصيحته ولما هديت النار أخدت " كوذين الدره" وقشرتهم وحطيتهم على الجمر وقلبتهم وبسرعة "إستوا" وشافنى إبن عمى يسرى قالى : أنت ليه ماجيبتش
"كيزان"كبارزى"محمود"قولتله:أصلى بحب"الدرة"اللى محبب وصغيرموش مرصوص جنب بعض متفرقة عشان تبقى طرية وفيها "لبن"وماتوجعش المعدة قالى تعرف دى بنسميها إيه؟قولتله:لأه قالى :بنسميها"سنة العجوزة "الكبار فى السن عشان سنانهم ضعيفة بيحبوه هوه إنت عجوز قولتله :أيوه يابنى شنانى بتوجعنى ربنا يطولى فى عمرك وتكبر وتبقى عجوززيى وضحكنا من قلوبنا وبعد ماكلنا"الدره"راح "يسرى "ونده على"محمد وطه "ولاد عمى " على "وقالهم " فاروق ومحمود" ولاد عمكوا "عبد الحفيظ" جوم لقينا ولاد عمنا جريواعليناوحضنوناوسلموا عليناوقعدوا ياكلوا"دره"وسابوا الشغل بالغيط وقالوا :إحكولنا جيتوا إزاى حكينا لهم الحكاية العربية والمركب قالوا: والله جدعان بالليل حانيجى الغيط نسهرمع بعض ورجعوا للغيط يكملوا السقى "للدره" وبعد ساعة لاقيناهم جايبين معاهم خيار وطماطم وملوخية وقالواعشان مايكونش نفسكوافى حاجة ورجعنا للبيت كلناوخبطناعلى الباب فتحتلنا"شربات"قولنالها:إيه الريحة الحلوه دى؟قالت : عملنا لكوا"رز معمَّر"بالفرن"ودكربط"قولنالها:وإعملى"الملوخية"دية قالت: حتتأخروا على الأكل قولنالها:موش مهم "الدره" المشوى شبعنا نقدرنستنى شوية نص ساعة وإديناها الخياروالطماطم غسلتوا وقطعته قطع صغيرة وقعدنا ناكل وعجبتنا أوى"الملوخية بالتقلية وشوربة ولحم البط والرز باللبن المعمَّر بالفرن البلدى" كانت أكله ليس لها مثيل طعمها لن أنساه أبدا .
*************************************************
بقلم / المهندس : فاروق بن النيل
وإلى اللقاء فى: الجزء الرابع " إنحسار نهر النيل "
